الشوكاني

474

فتح القدير

( لم يكن الذين كفروا ) قال : وسماني لك ؟ قال نعم ، فبكى " . وأخرج أحمد وابن قانع في معجم الصحابة والطبراني وابن مردويه عن أبي حية البدري قال : " لما نزلت ( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ) إلى آخرها قال جبريل : يا رسول الله إن ربك يأمرك أن تقرئها أبيا ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبي : إن جبريل أمرني أن أقرئك هذه السورة ، فقال أبى : وقد ذكرت ثم يا رسول الله ؟ قال نعم ، فبكى " . سورة لم يكن ( 1 - 8 ) المراد ب‍ ( الذين كفروا من أهل الكتاب ) اليهود والنصارى ، ( و ) المراد ب‍ ( المشركين ) مشركو العرب ، وهم عبدة الأوثان ، و ( منفكين ) خبر كان ، يقال فككت الشئ فانفك : أي انفصل ، والمعنى : أنهم لم يكونوا مفارقين لكفرهم ولا منتهين عنه ( حتى تأتيهم البينة ) وقيل الانفكاك بمعنى الانتهاء وبلوغ الغاية : أي لم يكونوا يبلغون نهاية أعمارهم فيموتوا حتى تأتيهم البينة ، وقيل منفكين زائلين : أي لم تكن مدتهم لتزول حتى تأتيهم البينة ، يقال ما انفك فلان قائما : أي ما زال قائما ، وأصل الفك الفتح ، ومنه فك الخلخال . وقيل منفكين بارحين : أي لم يكونوا ليبرحوا أو يفارقوا الدنيا حتى تأتيهم البينة . وقال ابن كيسان : المعنى لم يكن أهل الكتاب تاركين صفة محمد صلى الله عليه وآله وسلم حتى بعث ، فلما بعث حسدوه وجحدوه ، وهو كقوله - فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به - وعلى هذا فيكون قوله ( والمشركين ) أنهم ما كانوا يسيئون القول في محمد صلى الله عليه وآله وسلم حتى بعث ، فإنهم كانوا يسمونه الأمين ، فلما بعث عادوه وأساءوا القول فيه . وقيل ( منفكين ) هالكين ، من قولهم : انفك صلبه : أي انفصل فلم يلتئم فيهلك ، والمعنى : لم يكونوا معذبين ولا هالكين إلا بعد قيام الحجة عليهم . وقيل إن المشركين هم أمل الكتاب ، فيكون وصفا لهم لأنهم قالوا المسيح ابن الله وعزيز ابن الله . قال الوحدي : ومعنى الآية إخبار الله تعالى عن الكفار أنهم لن ينتهوا عن كفرهم وشركهم بالله حتى أتاهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالقرآن ، فبين لهم ضلالتهم وجهالتهم ودعاهم إلى الإيمان ، وهذا بيان عن النعمة والانقاذ به من الجهل